قصة قصيرة
قصة
الدكتور رامي
ما أن حطت الطائرة على أرض مطار بغداد، حتى نساب الدمع بغزارة من عيني رامي رغم جميع محاولاته لحبسها، ألا أن خليط من مشاعر الشوق والحسرة والألم غلبته، فبدء صوت أنفاسه المتقطعة يعلو وهو يحاول كتمه خجلا بعد أن سمع صوت ألمضيفة يعلن سلامة الوصول لأرض بغداد، حاول أن يسحب حقيبة اليد من درج كان وضعها فيه، وهو يسمع صوت من يجاوره الجلوس وهو يقول له: الحمد لله على السلامة، أجاب بصوت خافت متحرج وهو يخفي رأسه باستمالة: الحمد لله. خرج من صالة الوصول بعد ما تسلم حقائبه، وأخذ يجري أتصال هاتفي مع أبن عمه معن صديق طفولته ليحثه على القدوم أليه في ساحة سيارات الأجرة خارج المطار، جلس على أحد الحقائب، وأخذ شريط ألذكريات يمر بخلده يأخذه الى أول مرة غادر بها العراق قبل تسع سنوات، وكيف كان والده يودعه ووالدته التي حملته كيس الكليجة الذي أعدته له، ودعواتها التي بقت عالقة بأذنه، ودموعها
التي بللت قميصه وقبلاتها الحارة، ها هو خياله يأخذه حيث كانت شقيقته الوحيدة منار أبنت الرابعة عشر ربيعا وهي تمسك يده عندما حانت لحظة المغادرة والتوجه الى الطائرة، وهي لا تريد ترك يده وتشدها اليه، اليوم هو يعود بلا عائلة بعد أن ماتوا جميعهم في حادث سيارة على طريق البصرة، وفي نفس يوم مناقشته رسالة الدكتوراه في الكيمياء قبل خمس سنوات، حيث تعذر عليه الحضور بعد أن منعه عمه من ترك دراسته ومناقشة رسالته، في نفس مكان وداعة الأخير مع عائلته، يعود بعد كل هذه السنوات محطم القلب رغم كل ما حققه من نتائج مبهرة في مجال تخصصه استحسنها اساتذته، وعندما عرضت عليه احد الشركات الكبرى عقد عمل باجر مجزي لم يكن يحلم أن يناله، قرر البقاء والعمل في بلاد الغربة كونه أصبح بلا عائلة فلمن يعود بعد أمه ووالده وشقيقته. رفع راسة وكأنه فاق من غفلة بعد ما سمع صوت معن، ذألك الشاب أبن الخامسة وثلاثون عام المليء بالحيوية والنشاط، وهو يصيح من على مسافة منه أثناء تخطيه حاجز معدني ويردد رامي.. رامي، لينهض لصديقه الذي لم يلتقي به كل هذه السنوات، يتلقفه بين
ذراعيه باشتياق حاد فبيداء تبادل القبلات والاحضان وصراخ ودموع لفت انتباه جميع الحاضرين. تعاونا على حمل الحقائب ووضعاها في سيارة معن، انطلقا الى بيت عمه محمود أبا معن، طوال الطريق كان معن يواسي رامي ويخفف من حدة حزنه محاولا منعه من التفكير في الوحدة، لما كان واضح على رامي من مشاعر حزن على عائلته، كأن منهار نفسيا كأنه يسمع خبر فقد عائلته للتو. بعد أن التقى عمة محمود شقيق والده الأصغر القى براسة على صدره لحاجته للإحساس بحنان الاب، لم يبخل السيد محمود و وزوجته السيدة سهى من منحه دفء حنانهما محاولة منهم تعويضه فقدان عائلته، مر أسبوع وهو في ضيافة عمه، شعر بضرورة العودة لبيت والده بيتهم الذي قضى جميع أيام حياته فيه قبل سفره الى المانيا، رغم أن معن وأهله بذلوا كل ما بوسعهم لنهيه عن قراره الا انه كان يرى أن بيت عمه الذي لا يحتوي سوى على غرفتين أحداها لعمه وزوجته، والأخرى لمعن وزوجته التي يشاركهم بها أبنهم الصغير، أما رامي كان يستغل غرفة الضيوف كمنام له طوال هذه الفترة.
أستطاع أقناع عمة برغبته الزواج، والسكن في بيت والده بعد ما اصبح في السادسة والثلاثين من العمر، تمكن رامي من اجراء بعض الترميمات، وإعادة تجهيز بيتهم القديم والعيش فيه، وعمل في أحد الشركات كمدير مفوض وبراتب جيد لما يحمله من درجة علمية وخبرة مميزة في اختصاصه العلمي، أخذ عمله جل وقته لدرجة أن عمه أ رسل في طلبه معاتبا كونه أصبح يمر عليه أسبوع دون أن يراه رغم تقارب بيوتهما، حضر في المساء وبعد ما تناول العشاء جلس يتناول الشاي ويتجاذبان أطراف الحديث ليبادر معن بسؤاله قائلا: في أحد محادثاتنا على المسنجر أعلمتني بعلاقتك بفتاة المانية اسمها ساندرا تود الزواج منها.. لماذا لم تتزوجها؟ أجاب رامي بعد أن بان على وجهه عبوسه حاول مداراتها ولم يفلح لما اظهره صوته الرخيم من آسى وهو يقول: كانت علاقتي بها جيدة واحببتها لدرجة أني تصورت لا أستطيع العيش من دونها. معن: هل كانت لا تبادلك نفس المشاعر؟ رامي: لا هي اخبرتني بحبها الا أنى لم أستطع تحمل تصرفاتها؟
عاود معن يسال بشغف وهو يضع قدح الشاي الذي بيده على الطاولة: أخبرني.. لماذا لم تتزوجها؟ رامي: ذات مرة بينما نحن في جلسة، فاذا بها تلقى شاب لا أعرفه، ودون سابق انذار هرعت لتتركني مهرولة اليه وتحتضنه، انهالت عليه بالقبل وهو يبادلها القبل بنفس الحماس، لم اتمالك نفسي فثارت ثائرتي وصفعتها على خدها! معن: تقصد هو حبيبها قبلك وعادة اليه؟ رامي: لا جاءت بصحبته واعتذرت لي، وأعلمتني أنه صديق طفولتها فقط ولم تراه منذ الثانوية! معن: أنت تعرف الاوربيين لا يتحفظون في علاقاتهم مثلنا.. ما الجديد عليك؟ رامي: عندما سألتها هل كانت لك معه علاقة غرامية؟ أجابت نعم لاكن هذا قبل أن أعرفك وليس من حقك محاسبتي عليه؟ معن: لهذا تركتها؟
رامي: أعلمتها هذه العلاقات الحميمية تثير غيرتنا كشرقيين، فان تودي الاحتفاظ بي عليك الامتثال لمشاع ري؟ وعدتني وعادة علاقتنا من جديد. معن: إذا لماذا تركتها؟ رامي: ذهبنا في سفرة الى اسبانيا الصيف الماضي، كان نفس الشاب حاضر معنا، ولما طلبت منه أن يطلي جسدها بمرهم الوقاية من الشمس! تركتها وعدت الى المانيا وقطعت علاقتي بها. معن: لم تحاول أن تستسمحك؟ رامي: لا جاءتني وحاولت.. لا كني لم أستطع أن أسامحها؟ انفجرت بي ونالت من انتمائي الشرقي، حيث تقول أنتم متخلفون لو لم أكن أحبك ما طلبت غفرانك؟ ولولا تمسكي بك لتركتك وذهبت اليه! بادر السيد محمود موجها كلامه لرامي: أبني نحن تربينا على اعراف وتقاليد، وهم حالة تختلف الأفضل لك تتزوج فتاة من بلدك تعرف حقها وحقوقها، ستدار رامي ليصبح أمام عمه محمود وهو يقوله: لهذا قررت العودة لبلدي لأتزوج هنا قبل أن أضعف من شدة تعلقي بها.
مرت الأشهر سريعة على رامي وهو منهمك في عمله، قرر الذهاب لأخبار عمه وصديقة معن بانه وجد الانسانة التي سيت زوجها، وبعد أن صار في ضيافة عمه في وقت لم يعتد أن يزورهم فيه حيث كان وقت الظهيرة ليخبر عمه بعزمه على الزواج من سهير تلك الفتاة التي تعمل سكرتيرته في الشركة، ولما سأله عمه عن أهلها وحسبها ونسبها، أجاب وهو مليء بالشفقة عليها: صح هي ليست جميلة جدا ولم تحصل على شهادة جامعية لا كنها خدومة ومطيعة، وظروفها الاجتماعية حرجة؟ بعد أن توفت والدتها، تزوج أبيها سيدة ثانية وهي لا تحبها، وتعاملها بقسوة، وغالبا تحرض والدها العاجز والكبير بالسن عليها، بادر السيد محمود قائلا: أنت تعطف عليها أذا؟ هز رامي رأسه بإيماءة دون ان يتفوه بكلمة وهو شارد الذهن، فهم السيد محمود من خلال حركة رامي بانه يعطف عليها فعاود قائلا: ما دمت موافق عليها لنذهب اليوم مساء الى والدها نخطبها وننهي الامر. ذهب رامي وسحر لقضاء شهر العسل في شمال العراق، كانت سحر فتاة تتقن الغنج والدلع استطاعت ان تكسب ود رامي وتستحوذ على قلبه، عادا الى بيتهما وهو يعيش بوئام تام، مرت الأيام بسرعة ورامي
كل يوم يتقدم في العمل ويشغل جل وقته في عمله وينكب في اخر النهار على اجراء بحوثه ودراساته في غرفة جعلها مكتبه الخاص، مرت ثمان أشهر لم يظهر على سحر بوادر الحمل، وفي جلسة مسائية كانا يتمازحان قال لها: الم تشعري ببوادر وصول ولي العهد؟ ضحكت وهي تقول: لا وعلينا الذهاب لأجراء فحوصات طبيه لمعرفة السبب! أجاب رامي : حسنا جهزي نفسك الأسبوع القادم تسافري معي الى أربيل ونعمل الفحوصات هناك، عاد رامي وسحر بعد ان قضوا خمسة أيام انها عمله واجرى الفحوصات الطبية الازمة لكليهما، وهم في طريق العودة سالته: حبيبي ماذا قال لك الطبيب عن نتيجة الفحوصات الطبية؟ أجاب رامي بابتسامة يخفي خلفها خيبة امل، وهو يقول في قرارة نفسه هل اعلمها انها لا تستطيع الانجاب، وان لديها مشكلة منذ الولادة في الرحم ام ماذا أقول لها، وعندما كررت عليه السؤال بإلحاح قال دون ادنى تردد: المشكلة عندي انا عقيم ولأيمكن أن أنجاب أطفال وعليك أن تتحمليني! صمت وهو يخفي الحقيقة وأثر أن لا يحزنها رغم اشتياقه الكبير لطفل يملئ عليه حياته، ساد سكون وصمت طال لأكثر من نصف ساعة لم ينبس احدهما
بكلمة واحدة، كان يقود رامس سيارته ذات الدفع الرباعي بسرعة فائقة وللحظة واحدة شرد بذهنه ليجد نفسة اما حافلة مقلوبة على الطريق، اصبح قريب منها وما هي الا ثواني ليصطدم بها! الا انه افاق على نفسه ليكبح عتلة الوقوف، انحرفت السيارة عن الطريق! وبشق الانفس يتمكن من ايقافها، بعد ان اجتاز السيارة المقلوبة بطريقة هو لا يعرف كيف فعلها؟ لم تتمالك سحر نفسها عندما وجدت نفسها بمواجه السيارة المقلوبة لتصرخ وهي تخفي راسها مستسلمة لقدرها الأخير، ولما توقف رامي بأعجوبة، وجد نفسه خارج سياق الطريق، حمد الله على السلامة بعد ان نزل وجلس خارج السيارة يهدئ من حدة انفعال سحر التي خرجت من السيارة تتقيأ، عاود المسير في الطريق بعد ان اخذا قسط من الراحة حمدا الله على السلامة ليصلا البيت وهم منهكي القوى ناما بملابسهم طوال الليل حتى استيقظا في وقت متأخر ليس على عادتهم فها هي الساعة العاشرة صباحا، لم يتطرقا للنقاش في موضوع الانجاب خرج لمزاولة عمله كما اعتاد وازداد بعد ذألك انهماكا في عملة لدرجة انه اصبح لا يعود الافي وقت متأخر من الليل، كونه يقضي جل وقته في مقر عمله، وازدادت
سفرياته لتتسع الى دول الامارات العربية والخليج، بعد ان وسعا من مساحة تعاملاتهم، كان في كل سفرة يعود منها يجلب لسحر الكثير من الهدايا والمصوغات الذهبية. بعد مرور عامين على زواجهما عاد رامي قبل الموعد الذي كان من المفروض ان يعود به حيث كان المفروض ان يعود بعد يومين، لكون الجو شديد البرد اثر ان يخرج مفتاح باب بيته الذي يحتفظ بنسخة منه دون ان يطرق الجرس لعلمه ان زوجته غالبا ما تكون نائمة في هذا الوقت ، ولا يريد ان يزعجها، فتح الباب دون ان يحدث ضجة ليلقي بحقيبته الصغيرة التي اعتاد ان يحملها في سفره على اول مقعد يصادفه، وجد ان احد المصابيح الداخلية لازال مضاء الا ان صوت ضحك وهمس يصدر من غرفة نومه، سار بخفة رغم حجمه البدين قليلا باتجاه غرفة نومه، دنا اكثر من باب غرفة النوم، كان موصدا وضع اذنه على الباب ليسمع ما الذي يجري، تسمر في مكانه! لم يستطع ان يصدق ما يسمع! حبس أنفاسه المضطربة وهو يهبط بأذنه يضعها على ثقب الباب ليتمكن ان يسمع بوضوح أكثر! انها تتحدث مع رجل اخر! سمع ضحكها تأوهاتها! انها نفس الأصوات
التي تحدثها معه عندما يكونوا في علاقاتهم الحميمية! حاول من خلال ثقب الباب ان يرى من الذي معها في غرفة نومه؟ لم يتمكن لعدم اشعالهم المصباح! قرر الخروج بسرعة! حمل حقيبته وعاد خارجا دون ان يشعرهم بوجوده؟ كونهما كانا في اشد حالاتهم الحميمية لم يتمكنا من سماع خطواته أصبح خارج البيت، اصابته رجفة وارباك لم يعد يعرف ماذا يصنع، سؤال واحد يتردد بهمس من معها مع من تخونني؟ لم يجد جواب ضل يجوب الشوارع في ذألك الظلام حتى زادت رجفته ولم يقوى على تحمل ما يمر عليه، عاد وطرق جرس الباب بقوة وكرر الطرق ثم منحها قليل من الوقت حتى تتمكن من إخفاء جريمتها، فتح باب السياج ليعاود طرق باب المدخل الرئيسي، من خلف الباب تساله من؟ انا رامي افتحي الباب؟ يدخل وهو يرتجف تحتضنه وهي تقول له ما بك؟ لم يرد دخل الى غرفة النوم، فاذا به منظم لم تظهر عليه أي اثار، القى بنفسه على السرير بعد ان تبعته وتسأله ما بك لم ترتجف؟ لم يجيبها، وضع نفسه في الفراش شعر بدفء فراشه وهو يقول في قرارة نفسه كيف لا والان كانا يتشاركانه؟ عاودت تسأله بقلق ما بك؟ اجابها وهو يشيح بوجهه عنها، لا تخافي انها الأنفلونزا،
حاول ان يكون اكثر هدوء، رغم بركان النار الذي كان يغلي في قلبه، تناول قرص منوم كان يضعه في درج بجوار سريره وطلب منها ان تناوله قليل من الماء، بعد ان تناول القرص اخفا جسده تحت الاغطية، نام بشكل لم يعهده من قبل، صحى في الصباح ليجدها تعد له فطوره، نضر اليها وهي تدنو نحوه تحاول ان تقبله، منعها وهو يقول لها أخاف عليك من عدوى الأنفلونزا، تناول افطاره وخرج دون ان يحدثها او يشعرها باي شيء، عاد يزاول عمله بشكل طبيعي واصبح يحاول ان لا يصل البيت الا وهي نائمة يحاول ان يتجنب الحديث معها واقتصرها على جلسات الصباح لا يتحدث الا بقدر ما تساله، لم يمنعها من الخروج ولم يحرمها من أي طلب تريده، ولم يمنعها من الذهاب الى أهلها بل كان يوصلها لبيت والدها بنفسه قبل ان يذهب لعمله، بقي على هذا الحال أربعة اشهر ازدادت في هذه الفترة سفرياته، وكان يتصل بها قبل ان يصل بنصف ساعة، لكي لا يتكرر عليه المشهد وتفلت اعصابه ويتصرف تصرف يندم عليه، مرت الأيام بشكل روتيني مرير كان ليله قلق ونهاره مرتبك ويحاول ان يظهر رابط الجأش لكي لا تظهر عليه أي انفعالات، وفي الزيارتين الأخيرتين
لأهلها، كان يبالغ في حمل الهدايا لوالدها وزوجته واخوانها الصغار، ويقضي معهم وقت أطول، وهو يمازحهم ويتودد اليهم، وفي حديث جانبي مع زوجة ابيها، استغل انشغال سحر مع والدها في حديقة البيت، تمكن من معرفة ان سحر كانت مخطوبة لشاب أسمه احمد يعمل معها في نفس الشركة الا ان والدته لم ترض ان تزوجها له كونها لا تنجب، صعق رامي لما عرف ان سحر كانت تعرف انها لا تنجب، إذا هي كانت تستغفلني من البداية، واحمد ذألك الشاب محاسب الشركة الذي كنت كثيرا ما اجدها جالسه معه قبل ان اتزوجها واجعلها تترك العمل، اخفي رامي حدة الصدمة وتظاهر باللامبالاة، وعاد مع زوجته دون ان تلحظ عليه أي شيء. بعد عشرة أيام عاد رامي على غير عادته! في وقت مبكر من مساء ذألك اليوم، ليعلم سحر انه مسافر صباح غد لمدة شهر، في رحلة عمل ضرورية، وعليها ان تجهز حقيبته كما اعتادت في كل مرة، وعلى مدى شهرين لم يدنو رامي من سحر في علاقة حميمية، رغم محاولاتها استمالته والتمادي في مغازلته، الا انه كان صلدا ففي داخله حقد
كبير! لم يستطع ان يتخلص منه، وكان تأثيره باديا على الهزل الذي أصاب جسده وعلى وجهه الشاحب. في اليوم الثاني اتصل رامي بأحمد وهو محاسب الشركة، وطلب منه الحضور لإيصاله الى المطار، حيث كثيرا ما كان يكلفه بإيصاله عندما لا يكون سائق الشركة متواجدا، وفي بعض الأحيان يرسله الى البيت لجلب بعض الحاجيات او تكليفه بإيصال بعض المواد او الأشياء الضرورية، وفي الأيام الأخيرة كان كثيرا ما يكلفه بإيصاله للبيت او الحضور في الصباح للذهاب سويتا للشركة بحجة انه لا يستطيع القيادة بسبب ضعف نض ره، وصل احمد وهو شاب في الثالثة والثلاثين ذو بنية رياضية مفتول العضلات، طلب منه رامي وهو مديره ان يحمل الحقائب للسيارة وهو يقبل زوجته مودعا لها عند مدخل الباب امام انضار احمد ، وهو يقول لها بصوت يتمكن احمد من سماعه، اذا احتجت أي شيء اتصلي بأحمد هو يحضره لك، والتفت الى احمد وهو يشير اليه ان لا تتردد في أي شيء تطلبه سحر، اطرق احمد راسة بالإيجاب وهو يلقي نضرة خاطفة وحذرة لسحر ،
انطلق الى المطار ولم يبرح احمد المطار حتى تأكد ان رامي اصبح في الجو. يجلس رامي في أحد الفنادق في دبي وهو يتناول الشاي في أحد الصالات، رفع جهاز الجوال ليفتحه حيث اغلقه بعد اخر اتصال اجراه مع سحر في مساء اول يوم يصل به الى دبي، أي قبل ستة أيام، وهو بانتظار ان يصله خبر وفاة سحر؟ حيث دس لها سم اجرى عليه الكثير من الاختبارات، ولا يمكن معرفته او الشعور بطعمه عندما يخلط مع العصير، وحقنه في علبتين من العصير الطبيعي بواسطة حقنة طبية، ووضع العلبتين في البراد، كان يعرف كم تحب سحر هذا النوع من العصير، و غالبا ما يجلبه لها لذا فرغ البراد من كل المشروبات الا من هاتين العلبتين التي اتقن حقنهما دون ان يرفع اغطيتهما، لكي لا يثيرا الشك، اعتادت هي ان تشرب هذا النوع من العصير بعد ان تنتشي من العلاقة الحميمية لتطفئ ظمئها، وكان قد اهمل معاشرتها قبل شهرين لمعرفته بشدة شبقها لذا سوف تستغل اول فرصة غياب له لتمارس الرذيلة مع عشيقها.
وما ان فتح رامي جهاز الجوال الذي كان قد اغلقهن حتى وجد خمس رسائل قد وصلته، ثلاثة من معن ابن عمه واثنان من والد سحر؟ يخبرانه ان سحر في حالة خطره في المستشفى، وهذه الرسائل جميعها بتاريخ اليوم وصلت، يجري اتصال بسحر فلم ترد، يكرر الاتصال فاذا بصوت فتى صغير وكان أخو سحر الصغير ذو الثالثة عشر عاما، ويحيطه أصوات صراخ وعويل فيبادر رامي قائلا لمحدثة: من انت وأين سحر فاذا بشخص اخر يتلقف الجوال من الطفل ليجيبه وكان معن: رامي سحر حالتها خطرة جدا، يصمت رامي قليلا ثم يقول: ماتت؟ لم يستطع معن ان يتمالك نفسه وهو يجهش بالبكاء وبصوت متردد يقول: البقاء في حياتك. ما ان يسمع رامي الخبر حتى يصرخ بأعلى صوته، وبشكل هستيري كلمة واحدة لم يفهم معن مغزاها وهو يقول: خائنة؟ ثم يعلو بكائه بشكل مثير، وعلى صوت معن، وهو يحاول ان يهدئه بادر رامي قائلا: انا قادم بأول رحلة غدا صباحا. وصل رامي مطار بغداد ليجد في استقباله معن ومجموعة من الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل، وهم يعزوه بفقدان زوجته، وكان رامي بان عليه التأثر والانفعال والارتباك، وصل البيت ليجده مكتظ بالناس من الأقارب والأصدقاء، وكان عليهم ان يراجعوا المشرحة لأخذ الجثة، الا ان تقرير الطبيب الشرعي لم يظهر بعد، لذا عليهم ان ينتظروا ليوم غد، وعندما سال رامي كيف حدثت الوفاة صمت الجميع ولم يتكلم أحد باي كلمة، صمت الحاضرين اثار فضول رامي، لذا كرر السؤال بانفعال: كيف ماتت؟ تقدم معن منه قليلا ليهمس في اذنه قائلا: في الساعة الثالثة من مساء أمس اتصلت سحر بوالدها تخبره انها تموت من شدت الألم وكون والدها كبير ولا يقوى على المشي كلف زوجته وابنه وعندما حضرا في الثالثة ليلا، ليجدوا سحر ملقاة على الأرض في حالة مزرية، وفي البيت شاب ميت اسمه احمد، اتصلوا بالإسعاف الشرطة، لم يتمكنوا من انقاذ سحر فقد ماتت بعد ساعة في المستشفى، وهي تعترف للشرطة انها كانت على علاقة مع هذا الشاب، وكانوا في علاقة حميمية، ويعتقد انهما ماتا مسمومين؟ ارخى رامي بدنه والقى بنفسه على المقد الذي ورائه، ولم يتحدث بكلمة واحدة، وأجهش في بكاء مر اثار شفقة كل من حوله، وهو يقول: خائنة.. خائنة؟ جلس في مقعده صامت لعدة دقائق وهو شاخص
البصر في سقف الغرفة ليفاجئ الجميع وهو يصرخ بشكل هستيري: ساندرا لم تكن خائنة.. سحر خائنة؟ ساندرا لم تكن خائنة.. سحر خائنة؟ وضل يكرر هذه الجملة وهو يبكي ويصرخ حتى أغمي عليه ونقل على أثرها الى المستشفى.
الدكتور رامي
ما أن حطت الطائرة على أرض مطار بغداد، حتى نساب الدمع بغزارة من عيني رامي رغم جميع محاولاته لحبسها، ألا أن خليط من مشاعر الشوق والحسرة والألم غلبته، فبدء صوت أنفاسه المتقطعة يعلو وهو يحاول كتمه خجلا بعد أن سمع صوت ألمضيفة يعلن سلامة الوصول لأرض بغداد، حاول أن يسحب حقيبة اليد من درج كان وضعها فيه، وهو يسمع صوت من يجاوره الجلوس وهو يقول له: الحمد لله على السلامة، أجاب بصوت خافت متحرج وهو يخفي رأسه باستمالة: الحمد لله. خرج من صالة الوصول بعد ما تسلم حقائبه، وأخذ يجري أتصال هاتفي مع أبن عمه معن صديق طفولته ليحثه على القدوم أليه في ساحة سيارات الأجرة خارج المطار، جلس على أحد الحقائب، وأخذ شريط ألذكريات يمر بخلده يأخذه الى أول مرة غادر بها العراق قبل تسع سنوات، وكيف كان والده يودعه ووالدته التي حملته كيس الكليجة الذي أعدته له، ودعواتها التي بقت عالقة بأذنه، ودموعها
التي بللت قميصه وقبلاتها الحارة، ها هو خياله يأخذه حيث كانت شقيقته الوحيدة منار أبنت الرابعة عشر ربيعا وهي تمسك يده عندما حانت لحظة المغادرة والتوجه الى الطائرة، وهي لا تريد ترك يده وتشدها اليه، اليوم هو يعود بلا عائلة بعد أن ماتوا جميعهم في حادث سيارة على طريق البصرة، وفي نفس يوم مناقشته رسالة الدكتوراه في الكيمياء قبل خمس سنوات، حيث تعذر عليه الحضور بعد أن منعه عمه من ترك دراسته ومناقشة رسالته، في نفس مكان وداعة الأخير مع عائلته، يعود بعد كل هذه السنوات محطم القلب رغم كل ما حققه من نتائج مبهرة في مجال تخصصه استحسنها اساتذته، وعندما عرضت عليه احد الشركات الكبرى عقد عمل باجر مجزي لم يكن يحلم أن يناله، قرر البقاء والعمل في بلاد الغربة كونه أصبح بلا عائلة فلمن يعود بعد أمه ووالده وشقيقته. رفع راسة وكأنه فاق من غفلة بعد ما سمع صوت معن، ذألك الشاب أبن الخامسة وثلاثون عام المليء بالحيوية والنشاط، وهو يصيح من على مسافة منه أثناء تخطيه حاجز معدني ويردد رامي.. رامي، لينهض لصديقه الذي لم يلتقي به كل هذه السنوات، يتلقفه بين
ذراعيه باشتياق حاد فبيداء تبادل القبلات والاحضان وصراخ ودموع لفت انتباه جميع الحاضرين. تعاونا على حمل الحقائب ووضعاها في سيارة معن، انطلقا الى بيت عمه محمود أبا معن، طوال الطريق كان معن يواسي رامي ويخفف من حدة حزنه محاولا منعه من التفكير في الوحدة، لما كان واضح على رامي من مشاعر حزن على عائلته، كأن منهار نفسيا كأنه يسمع خبر فقد عائلته للتو. بعد أن التقى عمة محمود شقيق والده الأصغر القى براسة على صدره لحاجته للإحساس بحنان الاب، لم يبخل السيد محمود و وزوجته السيدة سهى من منحه دفء حنانهما محاولة منهم تعويضه فقدان عائلته، مر أسبوع وهو في ضيافة عمه، شعر بضرورة العودة لبيت والده بيتهم الذي قضى جميع أيام حياته فيه قبل سفره الى المانيا، رغم أن معن وأهله بذلوا كل ما بوسعهم لنهيه عن قراره الا انه كان يرى أن بيت عمه الذي لا يحتوي سوى على غرفتين أحداها لعمه وزوجته، والأخرى لمعن وزوجته التي يشاركهم بها أبنهم الصغير، أما رامي كان يستغل غرفة الضيوف كمنام له طوال هذه الفترة.
أستطاع أقناع عمة برغبته الزواج، والسكن في بيت والده بعد ما اصبح في السادسة والثلاثين من العمر، تمكن رامي من اجراء بعض الترميمات، وإعادة تجهيز بيتهم القديم والعيش فيه، وعمل في أحد الشركات كمدير مفوض وبراتب جيد لما يحمله من درجة علمية وخبرة مميزة في اختصاصه العلمي، أخذ عمله جل وقته لدرجة أن عمه أ رسل في طلبه معاتبا كونه أصبح يمر عليه أسبوع دون أن يراه رغم تقارب بيوتهما، حضر في المساء وبعد ما تناول العشاء جلس يتناول الشاي ويتجاذبان أطراف الحديث ليبادر معن بسؤاله قائلا: في أحد محادثاتنا على المسنجر أعلمتني بعلاقتك بفتاة المانية اسمها ساندرا تود الزواج منها.. لماذا لم تتزوجها؟ أجاب رامي بعد أن بان على وجهه عبوسه حاول مداراتها ولم يفلح لما اظهره صوته الرخيم من آسى وهو يقول: كانت علاقتي بها جيدة واحببتها لدرجة أني تصورت لا أستطيع العيش من دونها. معن: هل كانت لا تبادلك نفس المشاعر؟ رامي: لا هي اخبرتني بحبها الا أنى لم أستطع تحمل تصرفاتها؟
عاود معن يسال بشغف وهو يضع قدح الشاي الذي بيده على الطاولة: أخبرني.. لماذا لم تتزوجها؟ رامي: ذات مرة بينما نحن في جلسة، فاذا بها تلقى شاب لا أعرفه، ودون سابق انذار هرعت لتتركني مهرولة اليه وتحتضنه، انهالت عليه بالقبل وهو يبادلها القبل بنفس الحماس، لم اتمالك نفسي فثارت ثائرتي وصفعتها على خدها! معن: تقصد هو حبيبها قبلك وعادة اليه؟ رامي: لا جاءت بصحبته واعتذرت لي، وأعلمتني أنه صديق طفولتها فقط ولم تراه منذ الثانوية! معن: أنت تعرف الاوربيين لا يتحفظون في علاقاتهم مثلنا.. ما الجديد عليك؟ رامي: عندما سألتها هل كانت لك معه علاقة غرامية؟ أجابت نعم لاكن هذا قبل أن أعرفك وليس من حقك محاسبتي عليه؟ معن: لهذا تركتها؟
رامي: أعلمتها هذه العلاقات الحميمية تثير غيرتنا كشرقيين، فان تودي الاحتفاظ بي عليك الامتثال لمشاع ري؟ وعدتني وعادة علاقتنا من جديد. معن: إذا لماذا تركتها؟ رامي: ذهبنا في سفرة الى اسبانيا الصيف الماضي، كان نفس الشاب حاضر معنا، ولما طلبت منه أن يطلي جسدها بمرهم الوقاية من الشمس! تركتها وعدت الى المانيا وقطعت علاقتي بها. معن: لم تحاول أن تستسمحك؟ رامي: لا جاءتني وحاولت.. لا كني لم أستطع أن أسامحها؟ انفجرت بي ونالت من انتمائي الشرقي، حيث تقول أنتم متخلفون لو لم أكن أحبك ما طلبت غفرانك؟ ولولا تمسكي بك لتركتك وذهبت اليه! بادر السيد محمود موجها كلامه لرامي: أبني نحن تربينا على اعراف وتقاليد، وهم حالة تختلف الأفضل لك تتزوج فتاة من بلدك تعرف حقها وحقوقها، ستدار رامي ليصبح أمام عمه محمود وهو يقوله: لهذا قررت العودة لبلدي لأتزوج هنا قبل أن أضعف من شدة تعلقي بها.
مرت الأشهر سريعة على رامي وهو منهمك في عمله، قرر الذهاب لأخبار عمه وصديقة معن بانه وجد الانسانة التي سيت زوجها، وبعد أن صار في ضيافة عمه في وقت لم يعتد أن يزورهم فيه حيث كان وقت الظهيرة ليخبر عمه بعزمه على الزواج من سهير تلك الفتاة التي تعمل سكرتيرته في الشركة، ولما سأله عمه عن أهلها وحسبها ونسبها، أجاب وهو مليء بالشفقة عليها: صح هي ليست جميلة جدا ولم تحصل على شهادة جامعية لا كنها خدومة ومطيعة، وظروفها الاجتماعية حرجة؟ بعد أن توفت والدتها، تزوج أبيها سيدة ثانية وهي لا تحبها، وتعاملها بقسوة، وغالبا تحرض والدها العاجز والكبير بالسن عليها، بادر السيد محمود قائلا: أنت تعطف عليها أذا؟ هز رامي رأسه بإيماءة دون ان يتفوه بكلمة وهو شارد الذهن، فهم السيد محمود من خلال حركة رامي بانه يعطف عليها فعاود قائلا: ما دمت موافق عليها لنذهب اليوم مساء الى والدها نخطبها وننهي الامر. ذهب رامي وسحر لقضاء شهر العسل في شمال العراق، كانت سحر فتاة تتقن الغنج والدلع استطاعت ان تكسب ود رامي وتستحوذ على قلبه، عادا الى بيتهما وهو يعيش بوئام تام، مرت الأيام بسرعة ورامي
كل يوم يتقدم في العمل ويشغل جل وقته في عمله وينكب في اخر النهار على اجراء بحوثه ودراساته في غرفة جعلها مكتبه الخاص، مرت ثمان أشهر لم يظهر على سحر بوادر الحمل، وفي جلسة مسائية كانا يتمازحان قال لها: الم تشعري ببوادر وصول ولي العهد؟ ضحكت وهي تقول: لا وعلينا الذهاب لأجراء فحوصات طبيه لمعرفة السبب! أجاب رامي : حسنا جهزي نفسك الأسبوع القادم تسافري معي الى أربيل ونعمل الفحوصات هناك، عاد رامي وسحر بعد ان قضوا خمسة أيام انها عمله واجرى الفحوصات الطبية الازمة لكليهما، وهم في طريق العودة سالته: حبيبي ماذا قال لك الطبيب عن نتيجة الفحوصات الطبية؟ أجاب رامي بابتسامة يخفي خلفها خيبة امل، وهو يقول في قرارة نفسه هل اعلمها انها لا تستطيع الانجاب، وان لديها مشكلة منذ الولادة في الرحم ام ماذا أقول لها، وعندما كررت عليه السؤال بإلحاح قال دون ادنى تردد: المشكلة عندي انا عقيم ولأيمكن أن أنجاب أطفال وعليك أن تتحمليني! صمت وهو يخفي الحقيقة وأثر أن لا يحزنها رغم اشتياقه الكبير لطفل يملئ عليه حياته، ساد سكون وصمت طال لأكثر من نصف ساعة لم ينبس احدهما
بكلمة واحدة، كان يقود رامس سيارته ذات الدفع الرباعي بسرعة فائقة وللحظة واحدة شرد بذهنه ليجد نفسة اما حافلة مقلوبة على الطريق، اصبح قريب منها وما هي الا ثواني ليصطدم بها! الا انه افاق على نفسه ليكبح عتلة الوقوف، انحرفت السيارة عن الطريق! وبشق الانفس يتمكن من ايقافها، بعد ان اجتاز السيارة المقلوبة بطريقة هو لا يعرف كيف فعلها؟ لم تتمالك سحر نفسها عندما وجدت نفسها بمواجه السيارة المقلوبة لتصرخ وهي تخفي راسها مستسلمة لقدرها الأخير، ولما توقف رامي بأعجوبة، وجد نفسه خارج سياق الطريق، حمد الله على السلامة بعد ان نزل وجلس خارج السيارة يهدئ من حدة انفعال سحر التي خرجت من السيارة تتقيأ، عاود المسير في الطريق بعد ان اخذا قسط من الراحة حمدا الله على السلامة ليصلا البيت وهم منهكي القوى ناما بملابسهم طوال الليل حتى استيقظا في وقت متأخر ليس على عادتهم فها هي الساعة العاشرة صباحا، لم يتطرقا للنقاش في موضوع الانجاب خرج لمزاولة عمله كما اعتاد وازداد بعد ذألك انهماكا في عملة لدرجة انه اصبح لا يعود الافي وقت متأخر من الليل، كونه يقضي جل وقته في مقر عمله، وازدادت
سفرياته لتتسع الى دول الامارات العربية والخليج، بعد ان وسعا من مساحة تعاملاتهم، كان في كل سفرة يعود منها يجلب لسحر الكثير من الهدايا والمصوغات الذهبية. بعد مرور عامين على زواجهما عاد رامي قبل الموعد الذي كان من المفروض ان يعود به حيث كان المفروض ان يعود بعد يومين، لكون الجو شديد البرد اثر ان يخرج مفتاح باب بيته الذي يحتفظ بنسخة منه دون ان يطرق الجرس لعلمه ان زوجته غالبا ما تكون نائمة في هذا الوقت ، ولا يريد ان يزعجها، فتح الباب دون ان يحدث ضجة ليلقي بحقيبته الصغيرة التي اعتاد ان يحملها في سفره على اول مقعد يصادفه، وجد ان احد المصابيح الداخلية لازال مضاء الا ان صوت ضحك وهمس يصدر من غرفة نومه، سار بخفة رغم حجمه البدين قليلا باتجاه غرفة نومه، دنا اكثر من باب غرفة النوم، كان موصدا وضع اذنه على الباب ليسمع ما الذي يجري، تسمر في مكانه! لم يستطع ان يصدق ما يسمع! حبس أنفاسه المضطربة وهو يهبط بأذنه يضعها على ثقب الباب ليتمكن ان يسمع بوضوح أكثر! انها تتحدث مع رجل اخر! سمع ضحكها تأوهاتها! انها نفس الأصوات
التي تحدثها معه عندما يكونوا في علاقاتهم الحميمية! حاول من خلال ثقب الباب ان يرى من الذي معها في غرفة نومه؟ لم يتمكن لعدم اشعالهم المصباح! قرر الخروج بسرعة! حمل حقيبته وعاد خارجا دون ان يشعرهم بوجوده؟ كونهما كانا في اشد حالاتهم الحميمية لم يتمكنا من سماع خطواته أصبح خارج البيت، اصابته رجفة وارباك لم يعد يعرف ماذا يصنع، سؤال واحد يتردد بهمس من معها مع من تخونني؟ لم يجد جواب ضل يجوب الشوارع في ذألك الظلام حتى زادت رجفته ولم يقوى على تحمل ما يمر عليه، عاد وطرق جرس الباب بقوة وكرر الطرق ثم منحها قليل من الوقت حتى تتمكن من إخفاء جريمتها، فتح باب السياج ليعاود طرق باب المدخل الرئيسي، من خلف الباب تساله من؟ انا رامي افتحي الباب؟ يدخل وهو يرتجف تحتضنه وهي تقول له ما بك؟ لم يرد دخل الى غرفة النوم، فاذا به منظم لم تظهر عليه أي اثار، القى بنفسه على السرير بعد ان تبعته وتسأله ما بك لم ترتجف؟ لم يجيبها، وضع نفسه في الفراش شعر بدفء فراشه وهو يقول في قرارة نفسه كيف لا والان كانا يتشاركانه؟ عاودت تسأله بقلق ما بك؟ اجابها وهو يشيح بوجهه عنها، لا تخافي انها الأنفلونزا،
حاول ان يكون اكثر هدوء، رغم بركان النار الذي كان يغلي في قلبه، تناول قرص منوم كان يضعه في درج بجوار سريره وطلب منها ان تناوله قليل من الماء، بعد ان تناول القرص اخفا جسده تحت الاغطية، نام بشكل لم يعهده من قبل، صحى في الصباح ليجدها تعد له فطوره، نضر اليها وهي تدنو نحوه تحاول ان تقبله، منعها وهو يقول لها أخاف عليك من عدوى الأنفلونزا، تناول افطاره وخرج دون ان يحدثها او يشعرها باي شيء، عاد يزاول عمله بشكل طبيعي واصبح يحاول ان لا يصل البيت الا وهي نائمة يحاول ان يتجنب الحديث معها واقتصرها على جلسات الصباح لا يتحدث الا بقدر ما تساله، لم يمنعها من الخروج ولم يحرمها من أي طلب تريده، ولم يمنعها من الذهاب الى أهلها بل كان يوصلها لبيت والدها بنفسه قبل ان يذهب لعمله، بقي على هذا الحال أربعة اشهر ازدادت في هذه الفترة سفرياته، وكان يتصل بها قبل ان يصل بنصف ساعة، لكي لا يتكرر عليه المشهد وتفلت اعصابه ويتصرف تصرف يندم عليه، مرت الأيام بشكل روتيني مرير كان ليله قلق ونهاره مرتبك ويحاول ان يظهر رابط الجأش لكي لا تظهر عليه أي انفعالات، وفي الزيارتين الأخيرتين
لأهلها، كان يبالغ في حمل الهدايا لوالدها وزوجته واخوانها الصغار، ويقضي معهم وقت أطول، وهو يمازحهم ويتودد اليهم، وفي حديث جانبي مع زوجة ابيها، استغل انشغال سحر مع والدها في حديقة البيت، تمكن من معرفة ان سحر كانت مخطوبة لشاب أسمه احمد يعمل معها في نفس الشركة الا ان والدته لم ترض ان تزوجها له كونها لا تنجب، صعق رامي لما عرف ان سحر كانت تعرف انها لا تنجب، إذا هي كانت تستغفلني من البداية، واحمد ذألك الشاب محاسب الشركة الذي كنت كثيرا ما اجدها جالسه معه قبل ان اتزوجها واجعلها تترك العمل، اخفي رامي حدة الصدمة وتظاهر باللامبالاة، وعاد مع زوجته دون ان تلحظ عليه أي شيء. بعد عشرة أيام عاد رامي على غير عادته! في وقت مبكر من مساء ذألك اليوم، ليعلم سحر انه مسافر صباح غد لمدة شهر، في رحلة عمل ضرورية، وعليها ان تجهز حقيبته كما اعتادت في كل مرة، وعلى مدى شهرين لم يدنو رامي من سحر في علاقة حميمية، رغم محاولاتها استمالته والتمادي في مغازلته، الا انه كان صلدا ففي داخله حقد
كبير! لم يستطع ان يتخلص منه، وكان تأثيره باديا على الهزل الذي أصاب جسده وعلى وجهه الشاحب. في اليوم الثاني اتصل رامي بأحمد وهو محاسب الشركة، وطلب منه الحضور لإيصاله الى المطار، حيث كثيرا ما كان يكلفه بإيصاله عندما لا يكون سائق الشركة متواجدا، وفي بعض الأحيان يرسله الى البيت لجلب بعض الحاجيات او تكليفه بإيصال بعض المواد او الأشياء الضرورية، وفي الأيام الأخيرة كان كثيرا ما يكلفه بإيصاله للبيت او الحضور في الصباح للذهاب سويتا للشركة بحجة انه لا يستطيع القيادة بسبب ضعف نض ره، وصل احمد وهو شاب في الثالثة والثلاثين ذو بنية رياضية مفتول العضلات، طلب منه رامي وهو مديره ان يحمل الحقائب للسيارة وهو يقبل زوجته مودعا لها عند مدخل الباب امام انضار احمد ، وهو يقول لها بصوت يتمكن احمد من سماعه، اذا احتجت أي شيء اتصلي بأحمد هو يحضره لك، والتفت الى احمد وهو يشير اليه ان لا تتردد في أي شيء تطلبه سحر، اطرق احمد راسة بالإيجاب وهو يلقي نضرة خاطفة وحذرة لسحر ،
انطلق الى المطار ولم يبرح احمد المطار حتى تأكد ان رامي اصبح في الجو. يجلس رامي في أحد الفنادق في دبي وهو يتناول الشاي في أحد الصالات، رفع جهاز الجوال ليفتحه حيث اغلقه بعد اخر اتصال اجراه مع سحر في مساء اول يوم يصل به الى دبي، أي قبل ستة أيام، وهو بانتظار ان يصله خبر وفاة سحر؟ حيث دس لها سم اجرى عليه الكثير من الاختبارات، ولا يمكن معرفته او الشعور بطعمه عندما يخلط مع العصير، وحقنه في علبتين من العصير الطبيعي بواسطة حقنة طبية، ووضع العلبتين في البراد، كان يعرف كم تحب سحر هذا النوع من العصير، و غالبا ما يجلبه لها لذا فرغ البراد من كل المشروبات الا من هاتين العلبتين التي اتقن حقنهما دون ان يرفع اغطيتهما، لكي لا يثيرا الشك، اعتادت هي ان تشرب هذا النوع من العصير بعد ان تنتشي من العلاقة الحميمية لتطفئ ظمئها، وكان قد اهمل معاشرتها قبل شهرين لمعرفته بشدة شبقها لذا سوف تستغل اول فرصة غياب له لتمارس الرذيلة مع عشيقها.
وما ان فتح رامي جهاز الجوال الذي كان قد اغلقهن حتى وجد خمس رسائل قد وصلته، ثلاثة من معن ابن عمه واثنان من والد سحر؟ يخبرانه ان سحر في حالة خطره في المستشفى، وهذه الرسائل جميعها بتاريخ اليوم وصلت، يجري اتصال بسحر فلم ترد، يكرر الاتصال فاذا بصوت فتى صغير وكان أخو سحر الصغير ذو الثالثة عشر عاما، ويحيطه أصوات صراخ وعويل فيبادر رامي قائلا لمحدثة: من انت وأين سحر فاذا بشخص اخر يتلقف الجوال من الطفل ليجيبه وكان معن: رامي سحر حالتها خطرة جدا، يصمت رامي قليلا ثم يقول: ماتت؟ لم يستطع معن ان يتمالك نفسه وهو يجهش بالبكاء وبصوت متردد يقول: البقاء في حياتك. ما ان يسمع رامي الخبر حتى يصرخ بأعلى صوته، وبشكل هستيري كلمة واحدة لم يفهم معن مغزاها وهو يقول: خائنة؟ ثم يعلو بكائه بشكل مثير، وعلى صوت معن، وهو يحاول ان يهدئه بادر رامي قائلا: انا قادم بأول رحلة غدا صباحا. وصل رامي مطار بغداد ليجد في استقباله معن ومجموعة من الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل، وهم يعزوه بفقدان زوجته، وكان رامي بان عليه التأثر والانفعال والارتباك، وصل البيت ليجده مكتظ بالناس من الأقارب والأصدقاء، وكان عليهم ان يراجعوا المشرحة لأخذ الجثة، الا ان تقرير الطبيب الشرعي لم يظهر بعد، لذا عليهم ان ينتظروا ليوم غد، وعندما سال رامي كيف حدثت الوفاة صمت الجميع ولم يتكلم أحد باي كلمة، صمت الحاضرين اثار فضول رامي، لذا كرر السؤال بانفعال: كيف ماتت؟ تقدم معن منه قليلا ليهمس في اذنه قائلا: في الساعة الثالثة من مساء أمس اتصلت سحر بوالدها تخبره انها تموت من شدت الألم وكون والدها كبير ولا يقوى على المشي كلف زوجته وابنه وعندما حضرا في الثالثة ليلا، ليجدوا سحر ملقاة على الأرض في حالة مزرية، وفي البيت شاب ميت اسمه احمد، اتصلوا بالإسعاف الشرطة، لم يتمكنوا من انقاذ سحر فقد ماتت بعد ساعة في المستشفى، وهي تعترف للشرطة انها كانت على علاقة مع هذا الشاب، وكانوا في علاقة حميمية، ويعتقد انهما ماتا مسمومين؟ ارخى رامي بدنه والقى بنفسه على المقد الذي ورائه، ولم يتحدث بكلمة واحدة، وأجهش في بكاء مر اثار شفقة كل من حوله، وهو يقول: خائنة.. خائنة؟ جلس في مقعده صامت لعدة دقائق وهو شاخص
البصر في سقف الغرفة ليفاجئ الجميع وهو يصرخ بشكل هستيري: ساندرا لم تكن خائنة.. سحر خائنة؟ ساندرا لم تكن خائنة.. سحر خائنة؟ وضل يكرر هذه الجملة وهو يبكي ويصرخ حتى أغمي عليه ونقل على أثرها الى المستشفى.
تعليقات
إرسال تعليق