العرفان بالجميل / قصة قصيرة

العرفان بالجميل ..؟
بينما انا جالس في احد ميادين مدينة جرسون المشهورة بتلالها الطبيعية الخلابة الراقدة على ساحل البحر الاسود في الجزء الشمالي الشرقي من تركيا اسرق فسحة من الزمن اقضيها في التسكع والاستمتاع بمنضر الزهور المتنوعة الزاهية التي تنفرد بها هذه المدينة الممطرة في كل فصول السنة وجدت نفسي القي بجسدي على احد المقاعد المنتشرة في ذالك الميدان أشارك مقعدي الذي يتسع لأربعة اشخاص مع شاب في العشرين يختلي بنفسه مستمتعا بعذوبة المنظر .. عرفت فيما بعد انه عربي من اصول سورية ، وما أثار انتباهنا كلب من النوع الكبير الحجم برفقة فتاة في العشرين او تزيد قليلا يبدو انها من اصول تركية على بعد مسافة ليست بالبعيدة ، وهي تمسك سلسلة ذالك الكلب الكبير تلاطفه ، وتداعبه محاوله ترفيهه ، والتنفيس عنه إلا انه كان يقف بشموخ لا ينفك من ادامة النضر باتجاه شاب اخر يجلس على مقعد في مواجهة الفتاة .. من تضاريس وجهه اقدر انه لم يتجاوز الثلاثين من العمر ، ورغم كل محاولات تلك الفتاة السيطرة على كلبها إلا انه استطاع الافلات من قبضتها ، والانطلاق بأقصى سرعة تجاه ذالك الشاب .
وصل الكلب قرب الشاب حتى اخذ يلف ، ويلعب ، وينط ، ويهز بذيله بطريقه بهلوانية ، وهو يقترب ثم يبعد من ذالك الشاب ، ويهوهو دون نباح ، وكأنه يدعوه للعب ، وقف الشاب ،ومسك الكلب ، وهو يمرر يده على ظهر الكلب ، وأخذا يلعبان بشكل شد انتباه جميع من في الميدان للحركات التي فعلها الكلب في الوقوف ، والمشي على ساقيه الخلفيتين ، والنط ، والجري لدرجة ان الفتاة تقدمت بكل حرج الى ذالك الشاب ، وبعد قليل اخذ الاثنان يلعبا مع الكلب لينضم اليهم الشاب السوري دون ان يعرفهما حيث كان يجيد العربية ، والتركية بطلاقة .. استمتع الجميع بهذه الحظات الجميلة لتنسحب الفتاة ، وذالك الشاب التركي ، والكلب بعد ان استمتعا بوقت جميل .. عاد الشاب السوري ليشاركني الجلوس ، وما ان جلس بجواري كان يكاد يقتلني الفضول لمعرفة ما سر علاقة الشاب بهذا الكلب فأجابني الشاب السوري ، ولازال يلهث من اثار العب معهما قائلا ان هذا الشاب قبل اربعة اشهر كان يمر في شارع أسمه ((يني يول)) ، وهو طريق طويل يتوسط المدينة فوجد كلبا يمسك بفمه كرة الريشة يحاول العبور للجهة الاخرى ألا ان السيارات المارة على ذالك الشارع كانت تمنعه من العبور للسرعة التي تمر بها ، وعلى مدا ثلاث محاولات يقوم بها الكلب للعبور فيفشل .. حيث انه كل ما حاول العبور تأتي سيارة مسرعة فيعدل عن المرور فما كان من ذالك الشاب ألا ان وقف في منتصف الطريق ليوقف السيارات ، وهو يرفع يديه حتى عبر ذالك الكلب الذي كان في حينها مصاب بأحد ساقية قبل ان يتماثل للشفاء .. يستطرد الشاب السوري قائلا نقلا لما قاله ذالك الشاب التركي .. عندما عبر الكلب للضفة الثانية بمساعدتي وقف لبرهة في الجانب الاخر ليرمقني بنضرة طويلة ثم مضى في طريقه ليلقي بتلك الكرة لطفلين يقفا على الطرف الاخر من الطريق ، وهما يحملا مضرب لعبة كرة الريشة ، واليوم بعد ان قررت هذه الفتاة القدوم بهذا الكلب لقضاء بعض الوقت ، وما ان شاهدني تعرف علي ولم ينسى مساعدتي له فأراد أن يعبر عن سعادته بلقائي .
عندها وقفت وأنا اكفكف دموعي لما نتلقاه نحن البشر من عدم العرفان بالجميل بحق بعض اذ اننا لم نرتقي لوفاء هذا الحيوان الذي يعترض الكثير منا عندما نقول له انت كلب . عماد آل شهزي الطائي

تعليقات